موقع الحوار الجزائري

الحل في القطيعة مع الثورة المضادة في1962

الحل في القطيعة مع الثورة المضادة في1962




طرحنا في مقالتنا السابقة مشكلة الآليات وطبيعة النظام السياسي، وما أنتجته لنا من رداءة وإنتهازية وزبائنية وغيرها من المشاكل والإنهيار اليومي الذي تعاني منه جزائر اليوم، ويعلم القاصي والداني أن هذه الآليات هي نتاج إنقلاب ضد المؤسسات الشرعية للثورة وقع في 1962 بقيادة قائد الأركان العامة هواري بومدين، لكن للأسف البعض يعتقدون أن الأزمة الحالية هي نتاج وقف المسار الإنتخابي في 1992، وقد غاب عنهم أن أزمة التسعينيات هي نتاج لفتنة1962، طبعا هذا ليس معناه أننا ننفي وجود أسباب أعمق من ذلك، يمكن أن تمتد حتى إلى تاريخنا القديم وذهنية شعبنا الموجودة في لاشعوره، والتي نحتاج أيضا إبرازها من اجل القطيعة معها.
فالذين يردون الأزمة إلى 1992 لايعلمون بأنه ما وقع كان بسبب عدم وجود عقد إجتماعي بين كل الأطراف آنذاك تلتزم فيه كلها بمجموعة مباديء تضمن حق الجميع في الدولة الجزائرية، وطبعا عدم وجود ذلك هو الذي أعطى مبررا للبعض للقول أن الفيس سيقضي على المسارالديمقراطي، خاصة وأن الكثير من قياداته كانت تصرح بذلك وتقول أن "الديمقراطية كفر"، لكن لما لم يعقد هذا العقد، فهذا يعود إلى أطراف داخل النظام كانت تربح في الوقت حتى تستعيد أنفاسها، وتضخم في نفس الوقت في الفيس لتخويف المجتمع به فيما بعد، وعندما حاول الإصلاحي حمروش أن يقوم بإنتقال ديمقراطي حقيقين تعرض لهجمات، ثم وظف إضراب الفيس في جوان 1991 ضده للتخلص منه وعودة المحافظين الذين يرفضون أي إنتقال ديمقراطي بقوة، مما مهد للتخلص من بن جديد الذي كان يرعى إصلاحات حمروش، ومنذئذ والجزائر تسيرإلى الهاوية.
لكن يمكن أن يقول البعض ما علاقة ذلك بفتنة1962، ونتساءل لو لم يقع الإنقلاب على المؤسسات الشرعية للثورة التي بدأ تجسيدها الفعلي في أرضية الصومام الذي هو إثراء عملي ومؤسساتي لبيان أول نوفمبر1954،حيث بدأت النواة الأولى لمؤسسات الدولة الجزائرية سياسيا وعسكريا وإداريا وغيرها، والتي كانت نقيضا، وأقيمت على أنقاض الدولة الإستعمارية، ورافضة حتى للفكر السياسي اليعقوبي الفرنسي متبنية النموذج السياسي البريطاني آنذاك كنقيض للنموذج الفرنسي، فقد كان عبان رمضان والعربي بن مهيدي وآخرون ثوارا يتميزون بالنقاء والطهارة الثورية، فكانوا من أشد الدعاة للقطيعة مع كل ما هو فرنسي حتى في التعليم، ولو تواصلت نفس المؤسسات المنبثقة عن أرضية الصومام لكان لجزائر اليوم نموذج دولة أخرى برلمانية مثل كل النماذج التي نجحت كبريطانيا والهند وغيرها، كما سنبين فيما بعد، وسيظهر ذلك بجلاء من خلال توضيحنا وإبرازنا إنعكاسات إنقلاب1962على مستقبل الجزائر فيما بعد، والتي تطرقنا إلى بعضها في مقالتنا السابقة، ونعتقد أن التهجم الذي يتعرض له مؤتمر الصومام من البعض اليوم يعود أسبابه إلى عملية تحريكية من الذين يعملون من أجل الإبقاء على نفس آليات عمل النظام منذ 1962، ويحرفون النقاش عمدا إلى مسائل تاريخية شخصية بدل التطرق إلى المؤسسات وشكل الدولة المنبثقة عن هذه الأرضية، وهدفهم تشويه كل الأرضية ذاتها بصفتها أرضية عملية وإثرائية لبيان أول نوفمبر1954
يجهل البعض أن ما يسمى بأزمة صيف 1962 هو في الحقيقة إنقلابا على المؤسسات الشرعية للثورة من طرف بن بلة وبومدين وآخرين كانوا في الخارج مدعومين من مصر عبدالناصر، وقد أنعكس ذلك على مسار الجزائر إلى حد اليوم، وضيع على الجزائريين نضالات وتضحيات، وأختطفت منهم ثورة عظيمة في بطولاتها وتضحياتها وأخلاقها ومبادئها الكبرى ومؤسساتها التي وضعت في مؤتمر الصومام 1956، ومن أهم إنعكاسات هذا الإنقلاب على جزائر اليوم نذكر غلبة شرعية القوة والعنف بدل الشرعية الشعبية، وإقامة دولة-مجموعة بدل دولة-الأمة الجزائرية كلها كما أصر على ذلك مؤتمر الصومام، وإضعاف السيادة الوطنية بفعل الإستناد على الخارج للوصول إلى السلطة والحفاظ عليها، وإفراغ الجزائر من نخبها السياسية، وغلبة الإنتهازية والزبائنية والرداءة، وضرب وحدة الأمة وتماسكها بتكريس الجهوية وتحريض مناطق ضد مناطق وجزائريين ضد جزائريين تطبيقا لمبدأ فرق تسد للحفاظ على السلطة، وقد أخذت المناطق التي وقفت إلى جانب المؤسسات الشرعية للثورة حصة الأسد من التشويه، ولازالت تعاني منها إلى حد اليوم، ومن يتتبع ذلك بدقة يلاحظ أنها إستمرارية لنفس السياسة الإستعمارية في هذا المجال، ولاننسى ما لحق بالكثير من المجاهدين من تهميش بسبب إنعدام الحريات.
لايكمن لنا أن نفصل في هذه القضايا كلها، لكن بإمكان أن نسأل أنفسنا لو لم يقع هذا الإنقلاب ماذا كان سيحدث؟
إن الثورة الجزائرية في الحقيقة منذ مؤتمر الصومام قد شرعت في إقامة نواة دولة-الأمة الجزائرية كلها من خلال المجلس الوطني للثورة الجزائرية التي مثلت فيه كل التوجهات الأيديولوجية والشرائح الإجتماعية ومناطق البلاد، وهو بمثابة مؤسسة تجسد السلطة العليا للأمة كلها وسيادتها، وقد أنبثق عنها لجنة تنسيق وتنفيذ، وهي بمثابة حكومة مصغرة، والتي تحولت فيما بعد إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وهي مسؤولة أمام المجلس الوطني للثورة الذي يعينها، وكان بإمكان الجزائر عند إسترجاع الإستقلال أن تواصل بنفس المؤسسات تقريبا بتحويل هذا المجلس إلى برلمان منتخب شعبيا بواسطة إنتخابات تعددية تشارك فيها كل الأطياف، ومنها تنبثق الحكومة التي تكون مسؤولة أمامه، وبشكل آخر نظام برلماني وتعددي، وبإمكان تمثيل شرائح المجتمع فيه أيضا إضافة إلى مختلف الأحزاب المنتخبة شعبيا.
لكن ذهب ذلك كله سدى بسبب حب السلطة وثقافة سياسية متأثرة بالجانب السلبي للفكر السياسي الفرنسي، وهذا ما ينطبق على كل البلاد العربية التي تأثرت بالبعض من هذا الفكر، لكنها أخذت عنه فقط النظام الشبه الرئاسي وفكرة اليعقوبية التي تقصي أطرافا من المجتمع وتريد أن تصنع أمة على نمط واحدن وترفض التعددية بكل أشكالها.
كما كانت كارثة أخرى لما وقع في 1962 في المجال الإداري وتنظيمه، ونعتقد أن لهذا
التنظيم الإداري الموروث عن العهد الإستعماري تأثير سلبي كبير على الجزائر لعدة أسباب، ومنها: أنه لم تضعه السلطات الإستعمارية إلا بهدف خدمة المعمرين والتحكم في العملية الإستغلالية للشعب الجزائري، ثم حوله نظام بن بلة في 1962 أكثر رداءة وضعفا بسبب ضعف كفاءة المسؤولين الإداريين، حيث كان التعيين يتم على أساس الولاء للنظام والأشخاص، وليس على أساس الكفاءة والإلتزام والولاء للأمة والدولة فقط.
ونعتقد أنه كان من المفروض الإبقاء على النظام الإداري والسياسي و العسكري الذي وضعته الثورة خاصة بعد مؤتمر الصومام 1956ن وهو النظام الذي أثبت فعاليته في الميدان وكان وراء الإنتصار على فرنسا الإستعمارية، ويتمثل هذا التنظيم الإداري والسياسي والعسكري الذي وضعته الثورة بعد مؤتمر الصومام 1956 بتقسيم البلاد إلى ولايات ومناطق ونواحي لمواجهة الإستعمار، وأخذ في هذا التقسيم بعين الإعتبار الخصوصيات الجغرافية والطبيعية والثقافية والسكانية والإجتماعية للجزائر .
وكان بالإمكان الإستعانة بنفس التنظيم لمواجهة التخلف والتكفل بعملية البناء الوطني مع إدخال تعديلات تقنية عليه تقتضيها عملية البناء الوطني بعد عملية التحرير، خاصة وأن هذا التنظيم قد أثبت فعاليته أثناء حرب التحرير، لكن عند الإستقلال تضاربت الصلاحيات بين هذين النظامين، مما أدى إلى نوع من الفوضى، ففي الوقت الذي كان فيه من المفروض إستبدال التنظيم الإداري الإستعماري بتنظم إداري أثبت نجاعته أثناء الثورة المسلحة، لأنه كان يأخذ بعين الإعتبار خصوصيات الشعب الجزائري، إلا أن إنقلابيو صيف1962 فضلوا التنظيم الإداري الإستعماري على التنظيم الإداري للثورة.
وتعود اسباب تفضيلهم لهذا النظام الإداري الذي يعد أحد أسباب مأساة الجزائر هي دوافع سلطوية لا أكثر، لأن الولايات التاريخية كان يسيطر عليها مجاهدو الداخل الذين طردوا الإستعمار، ورفضوا إنقلاب بن بلة وبومدين على المؤسسات الشرعية للثورة، فلجأ بن بلة إلى التخلص من هؤلاء وتفضيله إدارة إستعمارية مستعدة للتعاون مع النظام الذي أستولى على الحكم بالقوة، وأختفت الرغبة في التسلط على خطاب أيديولوجي وسياسي متحامل على الولايات التاريخية ملصقا بها أوصافا ونعوتا ليست صحيحة على الإطلاق، ومنها إتهام قادتها بالنزعة الولائية والإقطاعية بهدف تبرير القضاء عليها، لكن لو عدنا إلى الحقيقة والواقع، فإن مجاهدي هذه الولايات التاريخية وقادتها كانوا أكثر إرتباطا بالطبقات الشعبية، لأنهم كانوا يعيشون في صفوفها، وأنبثقت عنها، على عكس الذين كانوا في الخارج وعلى الحدود، والذين كانوا بعيدين عن الشعب وحقائق الثورة ومنفصلين عن طموحاته، بل كان بعضهم يعيش حياة الرفاهية، ولهذا أستخدموا خطابا شعبويا يخفي رغبة في أخذ مكان المعمر عكس مجاهدي الداخل، ونعتقد أنه هنا تكمن بذور الإنفصال بين الدولة والمجتمع في جزائر ما بعد إسترجاع الإستقلال، وها هو بعد أكثر من نصف قرن، يكتشف الكثير من الجزائريين، بأن هذا النظام العسكري والإداري والسياسي الذي وضعته الثورة التحريرية كان الأنجع، ولو واصلت الجزائر تطبيقه لتحررت مما يسمى اليوم بإستمرارية الإدارة الإستعمارية وبيروقراطياتها وإحتقارها للمواطن الذي كان تحالف بن بلة- بومدين وراء بقائها لأهداف سلطوية بحتة لا غير.
نعتقد أن الحل الجذري لأزمة الجزائر الحالية هي في الإستلهام من روح الثورة وتصحيح ما وقع من إنحرافات وثورة مضادة في 1962، طبعا مع الأخذ بعين الإعتبار مستجدات وتطورات أكثر من نصف قرن.

البروفسور رابح لونيسي
يتم التشغيل بواسطة Blogger.
جميع الحقوق محفوظة © 2015. تصميم : الناشط السياسي الأستاذ : سالمي محمد