في تاريخنا المعاصر يقرأ القارئون أحيانا كلمة "القادة الستة"، والمقصودون هم: مصطفى بن بولعيد، ومحمد العربي بن مهيدي، ومراد ديدوش، وبلقاسم كريم، ورابح بيطاط، ومحمد بوضياف.
مقالات سابقة للكاتب
ويقرأ القارئون أحيانا كلمة "القادة التسعة"، والمقصودون هم ألئك الستة السابق ذكرهم، يضاف إليهم ثلاثة أشخاص كانوا في الخارج، وهم محمد خيضر وحسين آيت أحمد، وأحمد بن بلة.
خطت الأقدار في صحائف أولئك الستة أن يكونوا سببا في إنهاء أسوإ وألعن عهد في تاريخ الجزائر، وهو العهد الفرنسي، الذي مكر بالشعب الجزائري مكرا كبارا، فمسخ آدميته. ولو استطاعت فرنسا أن تبيد الشعب الجزائري لما ترددت ليخلو لها وجه الجزائر، ولكنها –رغم الأفاعيل التي فعلتها- عجزت عن ذلك، لأن الشعب الجزائري قرر أن يجاهد -رغم الإخفاقات- حتى يقضي الله أمرا كان مقضيا. وهذا الأمر هو قرار أولئك الستة إعلان الجهاد في 5 ربيع الأول من عام 1374 هـ (1 نوفمبر 1954)، فلبى الشعب الجزائري النداء، ولسان حاله يقول: "ذكرتني الطعن وكنت ناسيا".
اتفق الستة على أن يتولى كل واحد منهم الإشراف على منطقة (ولاية) من مناطق الجزائر التي قسموها إلى خمس، قبل أن يسدّسوها بعد مؤتمر الصومام في أوت 1956.
عهد بمسئولية المنطقة الأولى (الأوراس) إلى مصطفى بن بولعيد، وعهد بالمنطقة الثانية (الشمال القسنطيني) إلى مراد ديدوش، وكانت المنطقة الثالثة (جرجرة) من نصيب بلقاسم كريم، وآل أمر المنطقة الرابعة (وسط الجزائر) إلى رابح بيطاط، وأسندت قيادة المنطقة الخامسة (القطاع الغربي من الجزائر) إلى محمد العربي بن مهيدي، وأرسل سادسهم (محمد بوضياف) إلى القاهرة ليلتحق بالثلاثة ليخبرهم بما اتفقوا عليه، وباليوم الموعود، وليساعد فيما كلفوا به من مهام لوجيستية ودبلوماسية، وكشف السياسة الفرنسية الكاذبة المجرمة التي تزعم أن الشعب الجزائري فرنسي، رغم "السمات والسحنات وجولان الضاد في اللهوات"، و:
نطق الرصاص فما يتاح كلام**وجرى القصاص فما يباح ملام
وقضى الله –عز وجل- أن يسقط ثلاثة من أولئك التسعة في ميدان الشرف، فاتخذهم شهداء، فهم –إن شاء الله– أحياء عند ربهم يرزقون. وقد أجمع الجزائريون –صالحهم وطالحهم، برهم وفاجرهم- على تمجيد أولئك الثلاثة، وهم مصطفى بن بولعيد، ومراد ديدوش، ومحمد العربي بن مهيدي..
وأما الستة الباقون فقد قبض على رابح بيطاط، ثم ابتدعت فرنسا بدعة لم يسبقها إليها إنس ولا جان، وهي اختطاف أربعة كانوا في طائرة مغربية ذاهبين إلى تونس في مهمة سياسية... وهم محمد خيضر، وحسين آيت أحمد، ومحمد بوضياف، وأحمد بن بلة. وألقت فرنسا بهم في سجونها، وألحقت بهم رابح بيطاط. وهؤلاء هم الذين عرفوا بـ "القادة الخمسة". وأما بلقاسم كريم، فقد التحق بالوفد الخارجي حتى جاء نصر الله، وأكرم الله الجزائر، وأخزى فرنسا، وكشف وجهها الحقيقي البشع، الذي ضحكت به على الشعوب فغطته بتلك الثلاثية: "حرية- مساواة- أخوة". في 1962 أرغمت فرنسا على الخضوع لإرادة الشعب الجزائري. وبقدر ما كانت الفرحة كبيرة، بقدر ما كانت الخيبة مريرة، ونزغ الشيطان بين "الإخوة"، وتنافسوا فيما بينهم، وكان تنافس بعضهم غير شريف، حيث استجاب أحدهم (أحمد بن بلة) لما عرض عليه من طرف هيئة الأركان لتمكينه من "الانقلاب" على السلطة الشرعية الممثلة في الحكومة المؤقتة برئاسة الرئيس ابن يوسف بن خدة. وقد عرضت هيئة الأركان الأمر أول مرة على حسين آيت أحمد فأبت عليه همته أن يخرق الشرعية، ثم عرض الأمر على محمد بوضياف فرفض، فلما عرض الأمر على أحمد بن بلة كانت لديه "القابلية" لكي تستخدمه هيئة الأركان.. فدخلوا الجزائر وقلوبهم شتى، وسالت دماء بريئة، وأزهقت أرواح شريفة.. وأشمتوا بنا الأعداء، وكانوا أشبه بمراهقين، وكانوا كالتي نقضت غزلها.
مُكِّن الأمر لأحمد بن بلة وفُرض فرضا.. فأبدى ما أبدى من التعسف والاستعلاء على إخوانه الذين قاسموه "الملح والخبز" في السجون الفرنسية... فتمرد عليه حسين آيت أحمد واعتصم بالجبال حتى قبض عليه.. ثم فر إلى الخارج... واستعصى على "النظام" فلم يستطع أن يحتويه بالترغيب أو بالترهيب. وعرض عليه في 1992 ما عرض عليه في 1962، فلم يقبل أن يأتي "البيت" من "ظهره" كاللص... وقبض ابن بلة على بوضياف ونفاه إلى الصحراء... ثم هرب إلى الخارج حتى قدمت له "الجماعة" الطعم فقبل أن يضحي بتاريخه، وأكل الشوك بفمه.. وكانت عاقبته "خسرا" حيث قتل في عنابة بعدما تبين له أن "الجماعة" تغطوا بتاريخه، وقد فعل في ستة أشهر ما لم يفعله غيره في سنوات. أما خيضر وبيطاط، فقد "تعاونا" مع "أخيهما" أحمد بن بلة، ولكنهما لم يلبثا أن فرا تحت جنح الظلام.. وقد قتل خيضر في إسبانيا، ورجع بيطاط إلى الجزائر بعد انقلاب 1965، ليخوض مع الخائضين. وتجرع ابن بلة من الكأس التي أذاقها لغيره، فقضى في سجن وطنه أضعاف ما قضاه في سجن العدو.. وهرب بلقاسم كريم إلى الخارج حتى اغتيل في ألمانيا من طرف "إخوانه"، ولا علاقة لـ"الموساد" أو غيره بمقتله كما قال أحد فلاسفة التبرير...
وصدق الله القائل: "كل نفس ذائقة الموت"، فها هو آخر "التسعة"، وهو حسين آيت أحمد، يدركه الموت خارج وطنه، لأنه لم يجد فيه ما تمنى من "أمن وكرامة".. ودعك من هؤلاء المنافقين الذين قالوا فيه بأفواههم بعكس ما في قلوبهم. ولو تمكنوا منه لأذاقوه عذابا نكرا..
قلت إن ثلاثة من هؤلاء التسعة علم الله في قلوبهم خيرا فأكرمهم بالشهادة على يد فرنسا، فهم أحياء عند ربهم يرزقون –إن شاء الله-. وأما الستة الباقون فهم يرجون رحمة الله، لأنهم خاضوا مع الخائضين، "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره". وكما يقول سيدنا –صلى الله عليه وسلم- ما معناه: لايزال المرء في سعة من أمره ما لم يصب دما حراما. إن "السياسة" في الجزائر "بوليتيك" وأكثر الخائضين فيها (...) فمن أحبه الله صرفه عنها .
