هكذا اخترق بوالصوف "الماتينيون" واكتشف وزراء عملاء لأمريكا
لم تكن دائرة الاستعلامات والأمن، التي حلها الرئيس بوتفليقة في العشرين من الشهر الجاري بمرسوم غير منشور في الجريدة الرسمية، سوى امتدادا لجهاز جبار، وضع أولى أحجار أساسه، ابن مدينة ميلة، عبد الحفيظ بوالصوف، الذي استطاع أن يدوّخ أعتى قوة استعمارية عرفتها البشرية في العصر الحديث.
ففي 1957 أسس بوالصوف النواة الأولى للمخابرات الجزائرية، ويرجع له الفضل في تكوين آلاف الإطارات قادوا هذا الجهاز بعد الاستقلال، ولذلك أسندت له الحكومة الجزائرية المؤقتة، حقيبة وزارة التسليح والعلاقات العامة (مالغ).
كانت الجزائر يومها فاقدة السيادة ولا تتوفر على مقومات الدولة، لكنه ومع ذلك تمكن من بناء جهاز مخابراتي قوي جدا، إلى درجة أن بعض الخبراء صنفوه في المرتبة الخامسة عالميا من حيث الفعالية، في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات .
وقد أكد لي أحد المقربين من مؤسس "المالغ"، وهو المجاهد عبود بو الصوف (زوج الراحلة جميلة بوعزة التي حكم عليها الاستعمار بالإعدام)، أن "سي المبروك" وهو الاسم الحركي لبو الصوف، استطاع أن يجند وزراء في الحكومة الفرنسية لصالح الثورة، وحصل منهم على معلومات وظفتها الحكومة المؤقتة بنجاح في مفاوضاتها الشاقة من أجل الاستقلال .
بل والأكثر من ذلك أن جهاز "سي المبروك" استطاع أن يجلب ملايير الفرنكات للثورة التحريرية بفضل تجارته في المعلومات الدولية مع دول عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية واليابان والصين.. كما استطاع أن يزوّد الحكومات العربية بأسماء عدد من وزرائها العملاء للمخابرات الأمريكية، وذلك بعد أن نجح رجاله في القبض على عنصر بارز في"سي آي إي"، بالجزائر..
ولأن "سي المبروك" كان رمزا لرجالات الدولة، فقد قرر الانسحاب مباشرة بعد أن أكمل المهمة بنجاح وحصول الجزائر على سيادتها المفقودة، ولم يتورط في الأزمات التي عاشتها البلاد بداية من صائفة 1962، على عكس الكثير من رفاقه في الثورة.
وإن انسحب بوالصوف من المشهد السياسي بعد الاستقلال، إلا أن الإطارات التي كوّنها واصلت حمل المشعل، تحت تسمية "الأمن العسكري" أو "الشرطة السياسية" كما كان يسميها البعض، والتي أسندت مهمة قيادتها حينها لعبد القادر خالف المعروف باسمه الحركي "قاصدي مرباح"، إلى غاية 1979 المصادف لوفاة الرئيس الراحل هواري بومدين، وخلال تلك السنين ظل هذا الجهاز ركيزة نظام بومدين، الذي حكم البلاد بقبضة حديدية.
وعلى الرغم من الدور الذي لعبه الأمن العسكري ممثلا في رمزه قاصدي مرباح في استخلاف الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد لهواري بومدين في الرئاسة في العام 1979، إلا أن ذلك لم يشفع له عند الشاذلي، الذي قرر إزاحته من قيادة هذا الجهاز، وعين نور الدين يزيد زرهوني، خلفا له لنحو سنة، قبل أن يبعد زرهوني ويستخلف بالراحل مجذوب لكحل عياط.
ويؤكد المختصون في شؤون "المصالح الخاصة"، أن الرئيس الشاذلي، لم يعتمد بقوة على جهاز المخابرات في فترة حكمه، كما كان الحال مع سلفه بومدين، بل حجّم دوره، وأعطى نفوذا أكبر لقادة النواحي العسكرية في محاولة لتكريس نوعا من التوازن، إلى أن جاء العام 1987، الذي شهد إعادة هيكلة المؤسسة الأمنية، ليكلف حينها الجنرال المتقاعد، محمد بتشين، بقيادة مديرية أمن الجيش، والجنرال الراحل لكحل عياط الذي كان يومها مسؤولا عن "الأمن العسكري" بقيادة المديرية العامة للوقاية والأمن (DGPS).
وبعد أحداث أكتوبر 1988، تم تكليف الجنرال بتشين بإدارة المديرية العامة للوقاية والأمن خليفة للكحل عياط، إلا أن الصراع الذي احتدم يومها بين الجناح المحافظ في الجيش، الذي كان يمثله الرئيس الشاذلي، الجنرال بتشين، والجنرال عطايلية "والجنرال بلهوشات.. من جهة، والضباط الفارين من الجيش الفرنسي، الذين كان يمثلهم كل من وزير الدفاع يومها الجنرال نزار، الجنرال قنايزية، عباس غزيل، محمد تواتي، محمد العماري.. من جهة أخرى، انتهى لصالح الفئة الثانية، وتكلل هذا النجاح بإقدام نزار على حل المديرية العامة للوقاية والأمن وإبعاد محمد بتشين إلى التقاعد.
وفي ذروة هذه الإرهاصات ولدت دائرة الاستعلامات والأمن (الدياراس)، ولأن نزار كان يومها الآمر الناهي في البلاد، فقد عيّن على رأسها المحال أخيرا على التقاعد، الفريق محمد مدين، المدعو توفيق، وكان يومها برتبة عقيد، وذلك في سبتمبر 1990، ما يؤكد أن "توفيق" قضى 25 سنة بالتمام والكمال على رأس جهاز "الدياراس"، الذي دخل المتحف قبل أقل من أسبوع، لتحل محله مديرية المصالح الأمنية (دي آس آس)، بقيادة أحد أبناء الجهاز ممثلا في الجنرال بشير طرطاق.
القرار بدأ في 2013 واكتملت فصوله في 2016
حلّ "الدياراس".. نهاية أسطوة أم بداية لمرحلة جديدة؟
بـ"حل" الرئيس بوتفليقة لدائرة الاستعلامات والأمن (الدياراس) واستبدالها بـ"مديرية المصالح الأمنية (الدياساس)، تكون المخابرات الجزائرية قد دخلت مرحلة جديدة بتسمية جديدة، هي الرابعة في تاريخها، بعد "المالغ" و"الأمن العسكري" و"المديرية العامة للوقاية والأمن". القرار اعتبره المتابعون تتويجا لمسعى بدأ في عام 2013 بتفكيك أذرع هذا الجهاز وإلحاق بعضها برئاسة الجمهورية وقيادة الأركان. فكيف ينظر الخبراء والمراقبون لهذا القرار؟ هل هو مجرد استبدال تسمية؟ أم أنه تغيير شامل في الآلية وفي أدوات العمل؟ وهل لذلك علاقة بالتطورات الإقليمية والدولية؟ أم أن الأمر يتعلق بترتيبات داخل غرفة صناعة القرار؟ هذه الأسئلة وأخرى سيجيب عنها "الملف السياسي" لهذا العدد.
العقيد المتقاعد من "الدياراس" محمد خلفاوي
حل الدياراس لم يكن مفاجأة.. والجيش سيكون بعيدا عن السياسية
بصفتكم إطار سابق في المؤسسة الأمنية كيف تقرأ حل جهاز "الدياراس" وإلحاقه بوصاية الرئاسة؟
أولا، يجب الإشارة إلى أن القرار لم يكن مفاجئا ولا مباغتا، وكان منتظرا بحكم أن مهمة هذا الجهاز انتهت، ولم تكن ضرورية بالنظر إلى أن الجزائر مرت إلى مرحلة أخرى، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، وفي سنة 2013 بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، وعد بانفتاح وتغيرات جذرية وإصلاحات سياسية تتلاءم مع طبيعة النظام الجديد، والتركيبة الجديدة لأجهزة الدولة على رأسها المؤسسة العسكرية.
برأيكم، ما خلفيات قرار من هذا القبيل؟
أنا أتكلم من الناحية التقنية، وليس من الناحية السياسية، لكن الظاهر أن التغيرات كانت تفرض نفسها تماشيا مع المرحلة الجديدة التي تعيشها الجزائر وكذا التغيرات الحاصلة في العالم.
هناك من يقول إن جهاز المخابرات كان تابعا للرئاسة، وأن التغيرات الحالية جاءت للتوضيح فقط، وهناك من قال إن هذا الجهاز لم يكن كذلك. من موقعكم كإطار سابق في الجهاز، ماذا تقولون بخصوص هذا الإشكال؟
الجهاز ومنذ السابق كان تابعا لوزارة الدفاع، التي هي حقيبة بيد رئيس الجمهورية وبالتالي كان يتلقى الأوامر من الرئيس واليوم نفس الشيء، لم يتغير الوضع، لكنه لم يكن يظهر للإعلام، وعليه كان يعتقد البعض أن هذا الجهاز هو الآمر الناهي، ولا يؤخذ تعليمات من أحد، لكن على القارئ أن يفهم أن المرحلة التي مرت بها الجزائر كانت تفرض توفير الأمن والاستقرار في البلاد، ولهذا لم يكن مهما لمن كان يتبع جهاز المخابرات.
كيف تشبهون الهيكلة الجديدة لجهاز المخابرات؟
هناك تنظيمات سياسية شمولية، وأخرى شبه مفتوحة وإذا تعززت الهيكلة الجديدة لجهاز "الدياراس" الذي تحول إلى "الدياساس" فإن الجزائر ستكون أمام التنظيمات شبه المفتوحة التي تكون معالمها، الانفتاح على حرية التعبير، حرية النشاطات السياسية، تعبير المعارضة عن انشغالاتها ومعارضتها لبعض القرارات دون أي عقدة، عدم إسكات الآخر، بمعنى نقضي على مصطلح "البوليس السياسي" وهذا هو الانفتاح، والحكم الآن سابق لأوانه، وعلينا انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة لنتكلم على الهيكلة الجديدة ليس من حيث الشكل بل من حيث المضمون أيضا.
في رأيكم هل إعادة الهيكلة الحالية تخدم الجهاز والبلاد عامة، وخاصة في ظل التحديات المتزايدة التي يمر بها العالم؟
بالضبط، أفضل مما كنا عليه، والهيكلة ستجعل كل الأجهزة الأمنية تعمل وفق المهام المنوطة بها ويتولى المنسق الذي سيكون بشير طرطاق مهمة التنسيق بين مختلف هذه الأجهزة، بالنظر إلى أنه وحسب ما تم تداوله سيكون بمنصب وزير صاحب صلاحيات، ومستشار لدى رئاسة الجمهورية، وعليه فإن كل المعلومات ستكون تحت وصاية رئيس الجمهورية الذي ستصله التقارير الأمنية بشكل يومي، لأن كل جهاز ستصب معلوماته عند المنسق العام الذي سيتولى مهمة الفرز بين المعلومات الأمنية الذي سيقوم بتحليلها ومقارنتها، أي أن رئيس "الدياساس" ستكون له قوة أكثر، كما أن التركيبة ستولد منافسة قوية بين مختلف الأجهزة الأمنية والعمل سيكون واضحا والمسؤوليات محددة. وهذا معمول به في دول العالم.
الشيء الثاني الذي يجب التنويه به، هو أن الجيش سيصبح بعد الهيكلة الجديدة بعيدا عن السياسة، لأنه حان الوقت للانفتاح الذي كان مشروعا مؤجلا.
مدير مركز "الرائد" للدراسات سليمان شنين:
إلحاق المخابرات بالرئاسة محطة على طريق التحول الديمقراطي
هذه خطوة ضمن مسار الإصلاحات السياسية التي باشرها الرئيس، وهي أيضا مشروع قديم، انتظر التوقيت الملائم من ناحية التوازنات داخل النظام السياسي، كما هي تجاوب مع التغييرات الحاصلة في جميع المؤسسات الأمنية إقليميا ودوليا.
إضافة إلى أن القوى السياسية كثيرا ما طالبت بشفافية ووضوح مهمة جهاز الأمن، والإجراء في تغيير الوصاية إلى الرئاسة يعطي المؤسسة الأمنية مناعة، لأنها تستند إلى الشرعية الشعبية، وكذلك يحررها من الإجراءات الإدارية المعقدة، التي كثيرا ما تقف ضد مبادرات تحمي المصالح الوطنية.
تعيين منسق للمصالح الأمنية برتبة وزير دولة لدى رئيس الجمهورية، هل له دلالة وظيفية؟
أكيد، عمليا المصالح الأمنية لها وظيفة كبرى، أمام تعدد الأجهزة وتنوعها وإمكانية تقاطعها في الوظائف، مما يستدعي مسؤولية مركزية، تراعي كل هذا، وتحدّ من أي خلافات يمكن أن تقع.
وكثير من الدول التي يغيب فيها التنسيق، تشهد صراع الأجهزة، المؤذي للاستقرار، وتعيين منسق يعني استباق أي نوع من الاختلال، أمام تهديدات أصبحت يومية للأمن الوطني والقومي على جميع الأصعدة، سواء تعلق الأمر بالجريمة المنظمة، أو بما يمس الأمن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للبلاد.
المنسق أيضا يمكنه أن يقوم بالدور المؤسساتي، بحكم ترقيته إلى منصب حكومي، ويقلل أيضا من أي نوع من الاعتراضات، التي كانت تسجل من قبل، كما يحمي إطارات الجهاز سلطويا، وعبر فكرة التنسيق أيضا.
هل فعلا يعدّ الانتقال من الهيكلة القديمة إلى النظام المؤسسي الأمني الجديد صورة من صور تمدين الحكم؟
فكرة التمدين ليست لها علاقة بوظيفة جهاز المخابرات، فهي تعني ابتداء الفصل بين السلطات، وخاصة موضوع استقلالية القضاء، وفتح المجال أمام المجتمع المدني ليقوم بأدواره المتنوعة، كما تعني بالدرجة الأولى سيادة الشعب، وتمكينه من اختيار حكامه في كل المستويات السياسية، عبر انتخابات شفافة، تتماشى مع المعايير الدولية، ولا تعترض عليها أغلب القوى السياسية في البلاد، هذا هو المعنى الحقيقي لتمدين النظام، رغم أهمية خطوة الانتقال التنظيمي للمؤسسة الأمنية، وأكيد كإجراء يمكنه أن يساهم أيضا في حياة سياسية أكثر شفافية، ولكن بشرط وجود طبقة سياسية جادة ومستوعبة للتغيرات الحاصلة داخليا وخارجيا، وأيضا تمثيلية، أي لها قبول شعبي حقيقي، وتجذّر داخل المجتمع، وهؤلاء هم من يتحملون المسؤولية السياسية.
ولا يلام جهاز الأمن إذا غاب السياسيون عن أداء دورهم في ملء الفراغ وعدم تعريض البلاد إلى المجهول.
كيف ستساهم عمليا إعادة هيكلة المؤسسة الأمنية في ترقية التجربة الديمقراطية في البلاد؟
إعادة الهيكلة يمكنها المساهمة في التحول الديمقراطي إذا ما صاحبتها إجراءات أخرى، كتمكين المؤسسات الرقابية من أداء دورها على جميع المستويات التشريعية والمالية، وأيضا إذا ما استطعنا فعلاً أن نبعد القضاء عن التسييس، وأن يساهم الجميع في إقناع المواطن من المشاركة في مختلف الاستحقاقات، وإقناعه أيضا أنّ هذه المؤسسات تعمل من أجل مصلحته والمصلحة العامة، وهو مشوار طويل نتيجة أخطاء وحملات تشويه داخلية وخارجية، استهدفت المؤسسات الحيوية للبلاد، ومنها جهاز المخابرات، الذي رغم كل ما يقال عنه، إلا أنه ساهم بشكل كبير في المحافظة على استمرار الدولة.



