الجزائر قبل كل شيء بقلم البروفيسور رابح لونيسي
الجزائر قبل كل شيء بقلم البروفيسور رابح لونيسي
"جاءت وفاة الرمز التاريخي حسين آيت أحمد، ليرسل الجزائريون رسالة قوية للنظام يجب عليه قراءتها قراءة صحيحة وأخذها بعين الإعتبار، فقد وقف الجزائريون بكل أطيافهم إلى جانب هذا الرمز التاريخي الكبير الذي ظلمه النظام منذ1962، وكأنه يقول للسلطة أن المرحوم آيت أحمد كان محقا في طروحاته، وهو المجسد الفعلي لقيم الثورة ومبادئها المتمثلة في الدولة الديمقراطية والإجتماعية، وكأن هذه الوقفة الشعبية هي إدانة لهذا النظام الذي جثم على صدور الجزائريين منذ1962، وماجنازته الشعبية إلا رسالة بأن إذا لم تقم السلطة بإصلاحات حقيقية تجسد فعلا ماكان يدعو إليه الدا الحسين الذي قال عنه مهري أن التنظيم الذي كان يترأسه هو الوريث الحقيقي لقيم ثورة نوفمبر، وليس حزب الآفالان الحاكم اليوم، والذي يستغل إسمه فقط كرأسمال رمزي فقط......
إن وفاة آيت أحمد دفعت الشعب لإكتشاف رجال من طراز آخر وذو قامات كبرى، وأصبح يقارنها باللذين حكموا الجزائرمنذ1962، وأنهم لاوزن لهم في الوطنية والقيم الديمقراطية أمام رجال عظام، صنعوا أمجاد هذا الوطن، وتم تهميشهم من الذين قادوا الثورة المضادة في 1962.
ويبدو أن جنازة آيت أحمد ولما يمثله من قيم ومباديء ستكون لها تأثير كبير على مستقبل الجزائر، وستدفع الجزائريون لعقد مقارنات عديدة مؤثرة جدا على الوعي الجمعي للجزائريين، ولولا بعض المكاسب في الحريات بعد 05أكتوبر1988، والذي يعمل الكثير للتراجع عنها لوقع لآيت أحمد نفس ما وقع لرموز كبرى في تاريخنا، خاصة إذا لجأ الشعب إلى عقد مقارنات، فمثلا الكثير لا يعلمون أن هذه المقارنات الشعبية هي التي كانت وراء رفض النظام في عهد بومدين دفن جثماني البطلين الشهيدين عميروش وسي الحواس، وفضل إخفائهما في مخزن للأرشيف إلا لكي لاتثير جنازتهما المواجع، وتدفع للتساؤل والمقارنة بين حكام الجزائر آنذاك وبين هذين الشهيدين العظيمين اللذان أستشهدا في معركة مع الجيش الإستعماري، وبقوا في أرض الوطن يواجهون الجيش الإستعماري يوميا، ولم يكونوا رابضين فيما وراء الحدود، فقد كان إصرارالشهيد عبان رمضان على إدخال كل العسكريين الرابضين وراء الحدود إلى أرض الجزائر أحد أسباب تصفيته، وكان معروفا بمقولته الشهيرة ” أن الثورة هي في جبال الجزائر، وليس في قصور تونس والمغرب”....
من مكاسب 05أكتوبر هو إعادة الإعتبار لعظمائنا رغم أنف الذين قادوا الثورة المضادة في1962، ولهذا يعمل هؤلاء من أجل التراجع عن هذه المكاسب في الحريات، ولولاها لما سمع أحد بوفاة آيت أحمد، بل يمكن أن تخصص له ثلاث أسطر في جريدة حكومية، كما وقع لكريم بلقاسم ومحمد خيدر ومصالي الحاج الذي رفض بومدين دفنه في الجزائر إلا بعد ضغوط شعبية، وسمح أن تقام له جنازة ليلا في مسقط رأسه بتلمسان، ونفس الأمر مشابها تقريبا مع مفدي زكريا لدرجة أن لا يعلم الكثير اليوم أنه كان الرجل الثالث في حزب الشعب الجزائري في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، والذي حتى هو توفي في المنفى مثل كل الذين ذكرناهم آنفا"

